ابن عربي

80

كتاب الحجب

الإلهام فينا ولنا العمل بما ألهم ، وقال : كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ « 1 » فقد يكون عطاؤه الإلهام ، وقد يكون خلق العمل فهذه مسألة لا يتخلص فيها توحيد أصلا ، لا من جهة الكشف ولا من جهة الخبر . فالأمر الصحيح في ذلك أنه مربوط بين حق وخلق غير مخلص لأحد الجانبين فإنه أعلى ما يكون من النسب الإلهية أن يكون الحق تعالى هو عين الوجود الذي استفادته الممكنات فما ثم إلا وجود عين الحق لا غيره والتغييرات الظاهرة في هذه العين أحكام أعيان الممكنات فلولا العين ما ظهر الحكم ولولا الممكن ما ظهر التغيير فلا بد في الأفعال من حق وخلق . وفي مذهب بعض العامة أن العبد محل ظهور أفعال اللّه ، وموضع جريانها فلا يشهدها الحس إلا من الأكوان ولا تشهدها بصيرتهم إلا من اللّه من وراء حجاب ، هذا الذي ظهرت على يديه المريد لها المختار فيها ، فهو لها مكتسب باختياره ، وهذا مذهب الأشاعرة . ومذهب بعض العامة أيضا : أن الفعل للعبد حقيقة ، ومع هذا فربط الفعل عندهم بين الحق والخلق لا يزول فإن هؤلاء أيضا يقولون : إن القدرة الحادثة في العبد التي يكون بها هذا الفعل من الفاعل أن اللّه خلق له القدرة عليها فما يخلص الفعل للعبد إلا بما خلق اللّه فيه من القدرة عليه فما زال الاشتراك وهذا مذهب أهل الاعتزال فهؤلاء ثلاثة أصناف : أصحابنا ، والأشاعرة ، والمعتزلة . ما زال منهم وقوع الاشتراك وهكذا أيضا حكم مثبتي العلل لا يتخلص لهم إثبات المعلول لعلته التي هي معلولة لعلة أخرى فوقها ، إلى أن ينتهوا إلى الحق في ذلك الواجب الوجود لذاته الذي هو عندهم علة العلل فلولا علة العلل ما كان معلول عن علة إذ كل علة دون علة العلل معلولة ، فالاشتراك ما ارتفع على مذهب هؤلاء . وأما ما عدا هؤلاء الأصناف من الطبيعيين والدهريين فغاية ما يؤول إليه أمرهم أن الذي نقول نحن فيه أنه الإله تقول الدهرية فيه أنه الدهر ، والطبيعيون أنه الطبيعة ، وهم لا يخلصون الفعل الظاهر منا دون أن يضيفوا ذلك إلى الطبيعة . وأصحاب الدهر إلى الدهر فما زال وجود الاشتراك في كل نحلة وملة وما ثم عقل يدل على خلاف هذا ولا خبر إلهي في شريعة تخلص الفعل من جميع الجهات إلى أحد الجانبين فلنقره كما أقره

--> ( 1 ) الآية رقم ( 20 ) من سورة الإسراء